قوات سوريا الديمقراطية بين الاندماج والابتزاز السياسي

من سقوط نظام البعث إلى أسئلة المستقبل في سوريا ما بعد 2025
مقدمة: آمال ما بعد السقوط وعودة الغموض
دخلت سوريا عام 2025 محمّلة بآمال ثقيلة بعد سقوط نظام البعث الذي حكم البلاد لمدة 61 عاماً. لم يكن السقوط مجرد نهاية نظام سياسي، بل لحظة مفصلية فتحت باباً واسعاً لإعادة تعريف الدولة، والهوية، والعلاقة بين المركز والأطراف، وبين المكوّنات السورية المختلفة. في هذا السياق، بدا الاتفاق الموقّع في 10 مارس/آذار 2025 بين الحكومة السورية الجديدة وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) وكأنه نقطة تحوّل تاريخية، لا سيما في العلاقة العربية–الكردية، وفي محاولة إنهاء أحد أكثر ملفات الصراع تعقيداً في البلاد.
غير أن الأشهر الأخيرة من عام 2025 أعادت الغموض إلى الواجهة. فبدلاً من أن يتجه المشهد نحو اندماج هادئ ومنظم، تصاعدت التساؤلات حول نوايا «قسد»، وحدود مشروعها، وطبيعة الدور الذي تريد أن تلعبه في سوريا الجديدة: هل هي قوة سورية تسعى للاندماج الكامل في الدولة؟ أم مشروع أمر واقع يسعى لتحويل نفوذه العسكري إلى مكاسب سياسية تتجاوز حجمه الحقيقي؟
أولاً: ما هي قوات سوريا الديمقراطية؟ النشأة والسياق
تُعد قوات سوريا الديمقراطية واحدة من أقوى التشكيلات المسلحة التي ظهرت خلال الصراع السوري. تشكّلت رسمياً في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2015 في مدينة القامشلي، في سياق إقليمي ودولي خاص، تميّز بتصاعد خطر تنظيم «داعش» وحاجة الولايات المتحدة إلى شريك محلي فعّال على الأرض.
عمود «قسد» الفقري يتمثل في الوحدات الكردية، تحديداً «وحدات حماية الشعب» و«وحدات حماية المرأة»، التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وهو الجناح السوري لحزب العمال الكردستاني (PKK)، المصنّف تنظيماً إرهابياً لدى تركيا وعدد من الدول الغربية. هذه الحقيقة ليست تفصيلاً ثانوياً، بل عنصر بنيوي في فهم طبيعة «قسد» وقراراتها السياسية والعسكرية.
مع توسّع الحرب ضد «داعش»، دفعت الولايات المتحدة باتجاه إنشاء مظلة أوسع تضم عرباً وأقليات، لتجنّب الطابع الكردي الصرف للقوة الجديدة. هكذا وُلدت «قسد» كتحالف عسكري متعدد المكونات شكلياً، لكنه بقي عملياً بقيادة كردية مركزية.
ثانياً: من كوباني إلى الرقة… صعود القوة العسكرية
شكّلت معركة كوباني عام 2015 محطة مفصلية في صعود الوحدات الكردية، ومنها «قسد» لاحقاً. فقد تحوّلت هذه المعركة إلى رمز عالمي للمواجهة مع «داعش»، وفتحت الباب أمام دعم عسكري أميركي واسع شمل أسلحة ثقيلة، وتدريباً، وإسناداً جوياً واستخباراتياً.
لاحقاً، قادت «قسد» حملات كبرى أبرزها حملة الرقة أواخر عام 2016، التي انتهت بالسيطرة على المدينة، عاصمة «داعش» الفعلية. وبحسب تقديرات البنتاغون عام 2017، بلغ عدد مقاتلي «قسد» نحو 45 ألفاً، وهو رقم كبير في ميزان القوى السورية.
هذا الصعود العسكري السريع مكّن «قسد» من السيطرة على مساحات واسعة في شمال وشرق سوريا، شملت الحسكة، والرقة، وأجزاء كبيرة من دير الزور، وريف حلب. وهي مناطق يغلب عليها الطابع العربي ديموغرافياً، ما فتح الباب أمام تناقضات عميقة في هوية المشروع.
ثالثاً: التناقض البنيوي في هوية «قسد»
تحمل «قسد» اسماً يوحي بأنها قوة «سورية» و«ديمقراطية»، جامعة لكل المكونات. لكن الواقع العملي يكشف تناقضاً جوهرياً بين الخطاب والممارسة. فالنواة الأساسية للقوة كردية، والقيادة السياسية والعسكرية الفعلية متركزة بيد كوادر مرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي، وتتحرك ضمن أفق القضية الكردية أكثر مما تتحرك ضمن مشروع وطني سوري جامع.
في الوقت ذاته، تعتمد «قسد» بشكل كبير على العنصر العربي. تشير التقديرات إلى أن العرب يشكّلون نحو 60% من مقاتليها، وأن بنيتها القتالية في مناطق مثل الرقة ودير الزور وشرق حلب قائمة أساساً على مقاتلين عرب. كما تضم «قسد» مجالس عسكرية عربية متعددة، من بينها:
- مجلس دير الزور العسكري
- مجلس الرقة العسكري
- مجلس منبج العسكري
- مجلس الطبقة العسكري
- لواء ثوار الرقة
- لواء تحرير الفرات
- قوات الصناديد (عشيرة شمر)
- جيش الثوار
هذه التركيبة تتيح لـ«قسد» تبرير سيطرتها على مناطق عربية بالقول إنها تمثل جميع السوريين. لكن الإشكالية تظهر في اللحظات السياسية الحاسمة، حيث يتقدّم الخطاب القومي الكردي، وتُطرح المطالب باسم «الكرد» لا باسم سكان المناطق ككل.
رابعاً: اتفاق 10 مارس… بين الاندماج النظري والشك العملي
وقّع الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد «قسد» مظلوم عبدي في 10 مارس/آذار 2025 اتفاقاً وُصف بالتاريخي، نصّ على دمج المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال وشرق سوريا ضمن إدارة الدولة، وضمان حقوق جميع السوريين، والاعتراف بالمجتمع الكردي كمكوّن أصيل، ورفض التقسيم، وإعادة المعابر وحقول النفط إلى السيطرة المركزية.
نظرياً، بدا الاتفاق خطوة نحو إنهاء منطق الكيانات الموازية. لكن عملياً، بقيت بنوده عرضة للتأويل، خصوصاً في ظل استمرار خطاب «قسد» حول الفيدرالية والإدارة الذاتية، وكأن الاتفاق ليس اندماجاً كاملاً بل هدنة سياسية مؤقتة.
خامساً: الفيدرالية… حق مشروع أم استثمار سياسي؟
تطرح «قسد» مطلب الفيدرالية بوصفه حلاً عادلاً للتعدد القومي. لكن عند تفكيك هذا الطرح، تظهر إشكاليات عميقة. فالأكراد في سوريا يشكّلون نحو 12% من السكان، بينما تمتد مناطق سيطرة «قسد» على ما بين 30% و35% من مساحة البلاد. هذا الفارق الكبير يثير سؤالاً أساسياً: على أي أساس تُطالب هذه القوة بإدارة ذاتية واسعة جغرافياً وديموغرافياً؟
ثم إن التوزع السكاني الكردي نفسه لا ينسجم مع نموذج فيدرالي جغرافي. فعدد الأكراد في عفرين والشيخ مقصود والأشرفية في حلب يقارب عددهم في شرق سوريا، إضافة إلى وجودهم في حي ركن الدين بدمشق. فما مصير هؤلاء في حال إنشاء فيدرالية محصورة بشمال الشرق؟ وما الفائدة القومية التي ستعود عليهم؟
هنا يبرز احتمال أن يكون هدف الفيدرالية هو تثبيت نفوذ القيادات الحالية، والسيطرة على الموارد، لا تحقيق مطالب قومية شاملة وعادلة.
سادساً: استحالة التقسيم الطائفي في سوريا
تعقيد الجغرافيا والديموغرافيا السورية يجعل أي تقسيم فيدرالي على أسس طائفية أو عرقية أمراً شبه مستحيل. العلويون ليسوا محصورين بالساحل، بل ينتشرون بكثافة في حمص ودمشق. والسنة يشكّلون نسبة كبيرة من سكان الساحل. والدروز لا يتركزون في السويداء فقط، بل يتوزعون بين ريف دمشق والقنيطرة وريف إدلب، مع وجود سنّي معتبر داخل السويداء نفسها.
هذا التشابك يجعل أي محاولة لرسم حدود فيدرالية قائمة على الهوية وصفة دائمة للصراع، لا للاستقرار.
سابعاً: قوى الأمر الواقع ومنطق الابتزاز
في هذا السياق، يمكن قراءة سلوك «قسد» بوصفه سلوك قوة أمر واقع تسعى لفرض قواعد اشتباك سياسية جديدة، مستفيدة من توازنات دولية وإقليمية، ومن حساسيات داخلية. التحالفات الظرفية مع بعض القوى، أو التلويح بورقة إسرائيل وغيرها، لا تعكس مشروعاً وطنياً، بل محاولة لابتزاز السلطة المركزية وانتزاع امتيازات تفوق الحجم الحقيقي.
الخلاصة: بين الاندماج أو إعادة إنتاج الصراع
مستقبل «قسد» في سوريا ما بعد 2025 يتوقف على خيار جوهري: إما التحول إلى قوة سورية حقيقية تندمج في الدولة، وتتنازل عن منطق الهيمنة، أو الاستمرار كمشروع خاص يراكم التناقضات ويمهّد لصراعات جديدة. التاريخ السوري، بتعقيداته، لا يحتمل كيانات رمادية طويلة الأمد. والرهان الحقيقي ليس على القوة العسكرية، بل على القدرة على الاندماج والقبول المتبادل.



