الدراسات والبحوثتقارير

أوجه التشابه بين انهيار نظام الأسد وانهيار قوات سوريا الديمقراطية

من معركة «ردع العدوان» إلى عملية الشيخ مقصود

مقدمة

على مدى أربعة عشر عاماً، عاش السوريون مساراً معقداً من الثورة والحرب، اتسم بتراكم أزمات داخلية وتدخلات خارجية متشابكة، جعلت المشهد السوري أحد أكثر الصراعات تركيباً في العصر الحديث. فمنذ البدايات، لم تقتصر المأساة على الصدام بين سلطة ومعارضة، بل تسارعت مع ظهور تنظيمات متطرفة، وفي مقدمتها تنظيم داعش، ودخول مقاتلين أجانب إلى صفوف بعض الفصائل، في مقابل استقدام النظام لمرتزقة وقوى أجنبية، بدءاً من حزب الله اللبناني، مروراً بالفصائل الشيعية العراقية والأفغانية، وصولاً إلى الحرس الثوري الإيراني، ثم التدخل الروسي المباشر لاحقاً.

ومع مرور السنوات، بدأت المناطق الخارجة عن سيطرة النظام تتساقط تباعاً: من حمص عام 2014، إلى داريا وشرقي حلب عام 2016، ثم الغوطة عام 2018، ودرعا وريف حمص الشمالي، وصولاً إلى انكماش الجغرافيا الثورية ضمن رقعة محدودة في إدلب. ولم يلبث النظام، رغم اتفاقيات خفض التصعيد، شن هجمات واسعة عام 2020، قضم خلالها مساحات كبيرة من إدلب، ما عمّق حالة الاستنزاف والإنهاك.

تزامن ذلك مع صراعات داخلية بين الفصائل، سواء داخل إدلب بين هيئة تحرير الشام وفصائل أخرى، أو في شمال حلب بين فصائل الجيش الوطني، الأمر الذي زاد من تفكك الحاضنة الثورية. وفي الوقت نفسه، امتد الضغط إلى السوريين في دول اللجوء، عبر سياسات عنصرية، وحملات ترحيل، ومسارات تطبيع إقليمي مع نظام الأسد، كادت تفضي إلى تعويم دولي كامل له.

في هذا السياق القاتم، بدا أن مسار الثورة يقترب من نهايته. غير أن ما جرى لاحقاً شكّل تحوّلاً مفصلياً. ففي غضون أشهر قليلة، أعادت قوى الثورة في الشمال ترتيب صفوفها، وبدأ التحضير لعملية عسكرية شاملة ذات أهداف محدودة، حملت اسم «ردع العدوان». لم يكن يُتوقع أن تتحول هذه العملية إلى لحظة خلاص تاريخية، لكن خلال أيام قليلة فقط تحررت مدينة حلب، كبرى محافظات سوريا وأكثرها أهمية، ليتبعها ريف إدلب ثم حماة وحمص، قبل أن تدخل القوات دمشق ويسقط النظام خلال أحد عشر يوماً.

غير أن هذا السقوط السريع لا يمكن فهمه بوصفه حدثاً مفاجئاً أو وليد لحظة عسكرية عابرة، إذ كانت بنية النظام قد تعرضت لتفكك عميق منذ سنوات، ولا سيما على مستوى المؤسسة العسكرية، التي فقدت تماسكها منذ زُجّ بها في حرب المدن، وما رافق ذلك من موجات انشقاق واسعة شكّلت الأساس الحقيقي لانهياره اللاحق.

ورغم اختلاف السياقات والفاعلين، فإن انهيار نظام بشار الأسد ثم انهيار قوات سوريا الديمقراطية (قسد) لاحقاً، يكشف عن تشابه بنيوي عميق في أسباب السقوط ومساراته، وفي طبيعة الاعتماد على الخارج، وفي فقدان الحاضنة الاجتماعية، وفي التحول إلى كيانات أمنية معزولة تعيش على القوة وحدها.


أولاً: المسار العام لانهيار نظام الأسد

1. التفكك العسكري المبكر

منذ تحويل الجيش السوري إلى أداة حرب مدن ضد شعبه، تعرّضت بنيته لضربة قاصمة. فقد أدت المواجهات داخل المدن إلى صدمة مؤسسية عنيفة، ترافقت مع موجة انشقاقات غير مسبوقة بين عامي 2012 و2013:

  • نحو 4,500–5,000 ضابط انشقوا عن الجيش.
  • قرابة 6,000–6,500 من ضباط الصف.
  • ما يقارب 170,000 جندي.

أي أن ما بين 37% و39% من قوام الجيش النظامي تفكك خلال فترة قصيرة، ما أفقد المؤسسة العسكرية عمودها الفقري البشري والمعنوي.

2. الاستنزاف العسكري المستمر

تلت موجة الانشقاقات عمليات عسكرية واسعة في الرقة، وحلب، وإدلب، وحمص، وريف دمشق، ودرعا، والقلمون، أسفرت عن:

  • تدمير المعسكرات ومراكز القيادة.
  • إنهاك القوات النظامية والقوات الرديفة.
  • استنزاف المليشيات الأجنبية الداعمة للنظام.

ولولا التدخل العسكري الروسي المباشر عام 2015، لكان النظام قد سقط حينها، وهو ما أقرّت به موسكو نفسها في أكثر من مناسبة.

3. الانهيار الاقتصادي كعامل حاسم

رغم أن الانهيار السياسي والعسكري سبق الانهيار الاقتصادي، فإن الأخير شكّل الضربة الأعمق:

  • خروج مناطق صناعية رئيسية في حلب وريف دمشق وحمص عن الخدمة.
  • هروب رؤوس الأموال.
  • فرض عقوبات اقتصادية قاسية، أبرزها عقوبات قيصر.
  • انهيار القطاع المصرفي اللبناني، الذي كان يُعد الحديقة الخلفية المالية للنظام.

وصل راتب الموظف إلى أقل من 30 دولاراً، وراتب الجندي إلى نحو 20 دولاراً، في ظل أزمات خانقة في الوقود والغذاء والخبز، والتجنيد الإجباري، وعدم تسريح المقاتلين.

كل ذلك أدى إلى انهيار المعنويات حتى داخل الحاضنة التقليدية للنظام، ولا سيما في الساحل.

4. الضربة القاضية: معركة ردع العدوان

لم تكن معركة «ردع العدوان» سبب السقوط بحد ذاتها، بل كانت لحظة الانكشاف النهائي. خلال 11 يوماً فقط:

  • تحررت حلب.
  • سقطت إدلب وحماة وحمص تباعاً.
  • دخلت القوات دمشق وسقط النظام.

بمجرد غياب الغطاء الجوي الروسي، انهارت كل البنية التي بدت صلبة لسنوات.


ثانياً: قسد… نشأة على التوازنات وانهيار بالمنطق ذاته

1. نشأة غير طبيعية

نشأت قوات سوريا الديمقراطية في ظروف استثنائية، مستفيدة من:

  • الحرب على تنظيم داعش.
  • الدعم الأمريكي والغربي.
  • فراغ السلطة في الشرق والشمال الشرقي.

ورغم الغطاء العربي الشكلي، بقيت قسد عملياً ذراعاً لحزب العمال الكردستاني، محكومة بأجندته الإيديولوجية والأمنية.

2. السيطرة على الثروات دون تنمية

على مدى تسع سنوات، سيطرت قسد على معظم خيرات سوريا النفطية والزراعية، لكن النتائج كانت:

  • هدر واسع للموارد.
  • إنفاق ضخم على التحصينات والسلاح.
  • تضخم الجهازين الأمني والإعلامي.
  • تراجع الخدمات الأساسية.

في المقابل، عاش السكان:

  • تجنيداً إجبارياً.
  • تمييزاً عرقياً.
  • مدناً عطشى.
  • فرض أيديولوجيات بالقوة.

3. استثمار الفزاعة الأمنية

اعتمدت قسد على توظيف خطر داعش كورقة سياسية:

  • تساهل أمني في السجون.
  • عمليات هروب غامضة.
  • تفجيرات تُستثمر إعلامياً.

الهدف كان إقناع التحالف الدولي بأن بقاء قسد ضرورة أمنية لا بديل عنها.


ثالثاً: من الشيخ مقصود إلى الانهيار السريع

1. محاولة استنساخ سيناريوهات الفوضى

سعت قوات سوريا الديمقراطية، في مرحلة ما بعد تعثر المسار السياسي، إلى افتعال مواجهة محسوبة مع الحكومة السورية الجديدة، على أمل إعادة إنتاج سيناريوهات سابقة شهدها الساحل السوري أو محافظة السويداء. قامت هذه الاستراتيجية على مبدأ استدراج القوات الحكومية إلى مناطق ذات كثافة سكانية، ثم البناء إعلامياً على أي احتكاك أو اشتباك لتسويق رواية مجازر ممنهجة بحق الأكراد، بما يفتح الباب أمام تدخل سياسي أو ضغط دولي جديد، ويعيد تثبيت قسد كفاعل لا يمكن تجاوزه.

في هذا السياق جاءت الخروقات الأمنية في حي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، حيث استُخدمت قذائف الهاون بشكل عشوائي ضد أحياء مدنية في واحدة من أكثر المدن حساسية سياسياً ورمزياً في سوريا. لم تكن هذه الخروقات عملاً معزولاً، بل جزءاً من محاولة اختبار رد فعل السلطة ودفعها إلى تصعيد غير منضبط.

2. إدارة أمنية مضادة عالية الحذر

خلافاً لتقديرات قسد، تعاملت الحكومة السورية مع الموقف بمنطق أمني معقّد، تجنب الانجرار إلى مواجهة مفتوحة أو عمليات عسكرية واسعة قد تُستثمر إعلامياً. اعتمدت المقاربة الحكومية على التفكيك التدريجي للبنية المسلحة داخل الأحياء، وعزل القيادات الميدانية، وقطع خطوط الإمداد، مع الحفاظ على انضباط ناري صارم.

أسفرت هذه المقاربة عن إخراج قسد من حي الشيخ مقصود ثم الأشرفية، دون منحها فرصة لتدويل الحدث أو تحويله إلى أزمة إنسانية واسعة.

3. عملية غرب الفرات: الانهيار خلال أيام

ما تلا ذلك شكّل نقطة التحول الحاسمة. خلال أيام قليلة، أُعلن عن عملية أمنية محدودة في غرب الفرات، قُدمت إعلامياً على أنها اتفاق انسحاب جزئي لقسد من منطقة دير حافر. عند الساعة السابعة صباحاً، بدأت قوات قسد فعلياً بالانسحاب، لتباشر القوات الحكومية فوراً عمليات زحف متسارعة من دير حافر باتجاه مسكنة، ثم الطبقة.

ومع عبور القوات الحكومية نهر الفرات، دخلت مدينة الرقة بالتزامن مع هجوم واسع على القرى الشرقية لمحافظة دير الزور. خلال أقل من 48 ساعة، كانت الحكومة السورية قد بسطت سيطرتها على كامل الرقة ودير الزور، إضافة إلى مساحات واسعة من محافظة الحسكة.

4. تفكك قسد وانكفاؤها الجغرافي

أظهر هذا التقدم السريع هشاشة البنية العسكرية لقسد، التي انهارت بصورة شبه كاملة، مع تفكك وحداتها وانسحابها إلى مناطق حاضنتها الاجتماعية الضيقة، ولا سيما القامشلي، وعامودا، وعين العرب، والدرباسية، وهي مناطق ذات غالبية كردية واضحة.

في جوهره، لم يكن هذا الانهيار مفاجئاً، بل جاء نتيجة مسار طويل من التآكل البنيوي، وهو ما يجعل سقوط قسد مشابهاً إلى حد كبير لانهيار نظام الأسد، بل وربما أسرع منه، نظراً لاعتمادها شبه الكامل على مظلة خارجية، وافتقارها إلى شرعية وطنية جامعة.


رابعاً: أوجه التشابه البنيوية في الانهيارين

  1. الاعتماد على الخارج: النظام راهن على روسيا وإيران، وقسد راهنت على الولايات المتحدة والتحالف.
  2. تفكك الحاضنة الاجتماعية: القمع والإفقار والتجنيد الإجباري أفقد الطرفين دعم المجتمع.
  3. اقتصاد حرب فاشل: استنزاف الموارد دون بناء تنمية أو شرعية.
  4. تضخم الأجهزة الأمنية: مقابل انهيار الخدمات.
  5. الانهيار السريع عند غياب الحماية الخارجية.

خاتمة

انهيار نظام الأسد ثم انهيار قسد لم يكونا حدثين مفاجئين، بل نتيجة مسار طويل من التفكك البنيوي، والرهان الخاطئ على الخارج، وتحويل القوة العسكرية إلى بديل عن الشرعية الشعبية.

التشابه بين التجربتين يؤكد حقيقة مركزية في التاريخ السوري الحديث: الكيانات التي تُبنى على السلاح وحده، وتستقوي بالخارج، وتفشل في بناء عقد اجتماعي عادل، قد تبدو قوية لسنوات، لكنها تسقط بسرعة مذهلة عند أول اختبار حقيقي.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى