إبستين: حين يسقط قناع التحرر وتتكلم البنية

لم تكن فضيحة جيفري إبستين زلزالًا أخلاقيًا عابرًا، بل كانت لحظة انكشاف بنيوي. لحظة خرج فيها ما كان يُهمس به إلى العلن: أن الخطاب الليبرالي المعاصر، الذي يقدّم نفسه بوصفه ذروة التقدم والتحضر، يحمل في داخله تناقضًا قاتلًا — تناقضًا بين ما يعلنه أخلاقيًا، وما ينتجه واقعيًا.
إبستين لم يكن استثناءً عن القاعدة، بل ابنها الشرعي. لم يأتِ من الهامش، بل من القلب: قلب المال، السلطة، الأكاديميا، والسياسة. من الأماكن ذاتها التي طالما قدّمت نفسها كحارسة “القيم الحديثة”.
«حين تُفصل الحرية عن الفضيلة، لا تتحرر الرغبة… بل تتحول إلى سلطة» — قراءة معاصرة لماكنتاير في نقد الأخلاق الليبرالية.
كذبة الكبت: حين ينهار التفسير الجاهز
لسنوات طويلة، سُوِّق تفسير واحد لكل جريمة جنسية:
الكبت هو السبب… والدين والتقاليد هما الجناة.
كانت هذه السردية مريحة للنخب؛ تمنحها تفوقًا أخلاقيًا وتُلقي اللوم على المجتمعات المحافظة. لكن إبستين قلب الطاولة. الجرائم التي كُشفت:
- لم تقع في قرى مغلقة،
- لم تنتج عن قلة تعليم،
- ولم تولد في بيئات “مكبوتة”.
بل نشأت في جزر خاصة، قصور محمية، وشبكات نخبوية عابرة للحدود. المشكلة لم تكن غياب الجنس، بل غياب الحدّ. لم تكن نقص حرية، بل فائض سلطة.
نيتشه حذّر مبكرًا: «من يُسقِط القيم القديمة دون أن يبني بدائل، يفتح الباب لإرادة القوة». ما رأيناه كان إرادة قوة مغطاة بلغة الحرية.
التحرر حين يصبح أيديولوجيا تبريرية
الليبرالية المتأخرة لا تتعامل مع الحرية كمسؤولية، بل كحق مطلق. وحين تُطلَق الحرية بلا قيود أخلاقية مشتركة، يُعاد تعريف الأخلاق وفق ميزان القوة لا العدالة. في هذا الإطار:
- يصبح “الرضا” كلمة مطاطية،
- ويُفترض “الاختيار” حتى مع اختلال فادح في النفوذ،
- ويتحوّل الجسد إلى مساحة تفاوض.
فضائح إبستين كشفت هشاشة هذا البناء: ما قيمة الرضا مع قاصرين؟ وما معنى الاختيار أمام المال والتهديد والوعود؟
فوكو نبّه إلى أن الخطاب لا يصف الواقع فحسب، بل يصنعه. خطاب “التحرر” صنع واقعًا يُبرِّر ما كان يُدان.
النخبة المنحرفة وسقوط أسطورة «الجهل والفقر»
إحدى الأكاذيب الثقافية الأكثر رسوخًا: أن الانحراف ظاهرة هامشية مرتبطة بالجهل والفقر. الوقائع نسفت ذلك. إبستين كان مليارديرًا؛ دائرته الاجتماعية ضمّت أكاديميين، سياسيين، ورجال أعمال.
هنا لا يُدان التعليم بحد ذاته، بل تعليم بلا أخلاق. عقلٌ متعلّم حين ينفصل عن الضمير يصبح أكثر براعة في تبرير الجريمة.
وفي المقابل، كثير من الناس البسطاء — غير المؤدلجين — ظلّوا أقرب إلى الفطرة وحدودها. ليس لأنهم “أنقى”، بل لأنهم لم يُقنعوا أنفسهم أن كل رغبة حق.
أرسطو: «الفضيلة عادة». حين تُهدم العادات الأخلاقية، لا يكفي الذكاء لإنقاذ الإنسان.
الإعلام وصناعة الهلع الأخلاقي الانتقائي
الإعلام الحديث لا يبحث عن الحقيقة بقدر ما يبحث عن سردية نافعة. حين تقع جريمة في مجتمع محافظ:
- تُربط فورًا بالدين،
- تُقدَّم كدليل على “التخلّف”،
- ويُصنع هلع أخلاقي شامل.
أما حين تنفجر الفضائح في قلب النخبة، تُخفَّف اللغة، ويُفصل الفعل عن المنظومة. إبستين عُزل كـ“تفاحة فاسدة”، مع أن الشجرة كانت واضحة.
المرأة بين الحماية والتسليع
أخطر تشويه تعرّض له المجتمع المحافظ أنه “يضطهد المرأة”. السؤال الحقيقي: متى صار تحرر المرأة يُقاس بمدى سهولة الوصول إلى جسدها؟
في النموذج الليبرالي المتطرف:
- الجسد سلعة،
- الرغبة سوق،
- والاستغلال يُعاد تسويقه بلغة “التمكين”.
أما المنطق المحافظ، فينطلق من مبدأ بسيط: الجسد ليس مساحة عامة. الفارق هنا ليس بين تحضر وتخلّف، بل بين حماية الإنسان وتسليعه.
أسماء، علاقات، وحدود الاتهام
من الضروري التمييز بين الذكر الوصفي والإدانة القانونية. في ملفات إبستين ظهرت أسماء وشخصيات نافذة بوصفها علاقات اجتماعية أو ورودًا في سجلات سفر أو صور عامة، دون أن يعني ذلك إثبات جريمة بحق الجميع. من بين الأسماء التي دار حولها الجدل الإعلامي:
- بيل كلينتون: ذُكر اسمه في سياق علاقات اجتماعية وسفر سابق، دون إدانة قضائية.
- دونالد ترامب: علاقة اجتماعية قديمة قُطعت لاحقًا، وتصريحات متباينة؛ الجدل سياسي بقدر ما هو أخلاقي.
- الأمير أندرو (دوق يورك): مثال صارخ على ثمن القرب من شبكات النخبة؛ القضية هنا أوضح في الرأي العام البريطاني.
- ستيفن هوكينغ: ذُكر اسمه في وثائق مرتبطة بحضور علمي/أكاديمي في محيط إبستين، دون أي إدانة؛ الذكر هنا يكشف اتساع الشبكة لا طبيعة الأفعال.
القاسم المشترك ليس الإدانة الفردية، بل سؤال البنية: كيف تجتمع السلطة والمال والعلم في فضاء واحد بلا محاسبة؟
البستان البوهيمي: من «نظريات مؤامرة» إلى أسئلة مشروعة
لسنوات، كانت قصص بستان بوهيميان غروف تُعامل كخرافات أو مبالغات. اليوم، بعد إبستين، لم تعد الأسئلة ترفًا. ليس لأن كل ما قيل صحيح، بل لأن الإنكار الأعمى سقط.
الأمر ذاته ينسحب على نوادٍ وجمعيات نخبوية مثل Skull and Bones وغيرها من الشبكات المغلقة. الحديث هنا ليس عن أساطير، بل عن واقع اجتماعي معروف: نخب تجتمع بعيدًا عن الضوء، تصنع علاقات، وتراكم نفوذًا.
المشكلة ليست في الاجتماع، بل في غياب الشفافية والمساءلة.
وما خفي — بحكم طبيعة السلطة — قد يكون أعظم مما ظهر. إبستين لم يكن كل القصة، بل نافذة صغيرة على منظومة أكبر.
إبستين كمرآة حضارية
إبستين لم يفضح “الجنس”، بل فضح نفاق النخبة وخواء خطاب بلا جذور. فضح فكرة أن الحضارة تعني إزالة كل القيود، بينما الواقع يثبت أن الحضارة الحقيقية هي معرفة أين نقف.
ماكنتاير: «حين تفشل الأخلاق المشتركة، لا يبقى سوى القوة».
خاتمة: الدفاع عن الحدود دفاع عن الإنسان
الدفاع عن المجتمع المحافظ اليوم ليس دفاعًا عن الماضي، بل عن فكرة بسيطة: الإنسان ليس رغبة فقط، وليس جسدًا فقط. إبستين سقط، لكن السؤال الأهم: هل سقط الوهم؟ أم سيُعاد إنتاجه بأسماء أنعم وخطاب أذكى؟
الحدود ليست عدو الحرية، بل شرطها الإنساني.



