الدراسات والبحوثتحليلات

القوة بلا شرعية: كيف تسقط الدول حين تنفصل عن مجتمعاتها

اسي، قديمه وحديثه، أن امتلاك أدوات القوة الصلبة – من جيوش وموارد واقتصادات – لا يشكّل بحد ذاته ضمانة لبقاء الدول أو الأنظمة السياسية. على العكس، كثيرًا ما سقطت دولٌ وكياناتٌ وُصفت في زمانها بأنها قوى عظمى، خلال فترات قصيرة وبأكلاف عسكرية محدودة، أمام خصوم أقل عددًا وتسليحًا.
هذا التناقض الظاهري يفتح الباب أمام سؤال مركزي في دراسات الدولة والعلاقات الدولية: ما الذي يجعل الدولة قوية فعلًا؟ وهل تكمن القوة في القدرة على الإكراه، أم في مستوى الاندماج بين السلطة والمجتمع؟

تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها أن الدولة التي تفقد شرعيتها الاجتماعية وتنفصل عن مجتمعها، تتحول قوتها إلى قوة وهمية، قابلة للانهيار عند أول اختبار خارجي أو داخلي جدي.


أولًا: القوة الصلبة في مقابل الشرعية الاجتماعية

تميّز الأدبيات السياسية بين نوعين من القوة:

  • القوة الصلبة: وتشمل القدرة العسكرية، والأجهزة الأمنية، والسيطرة الاقتصادية.

  • الشرعية الاجتماعية: وهي القبول الطوعي أو شبه الطوعي للنظام السياسي من قِبل المجتمع.

الدول التي تعتمد حصريًا على القوة الصلبة، دون بناء علاقة تعاقدية مع المجتمع، تدخل تدريجيًا في حالة من الهشاشة البنيوية، حيث تصبح الدولة قادرة على القمع، لكنها عاجزة عن التعبئة، وقادرة على فرض الطاعة، لكنها غير قادرة على استدعاء التضحية.


ثانيًا: الإمبراطوريات القديمة وسقوط القوة المنفصلة عن المجتمع

1. الإمبراطورية الرومانية في المشرق

عند دراسة سقوط السيطرة الرومانية في بلاد الشام، يتضح أن العامل الحاسم لم يكن التفوق العسكري للمسلمين بقدر ما كان غياب الحاضنة الاجتماعية للرومان.
العلاقة بين السلطة الرومانية والسكان المحليين كانت قائمة على:

  • التمييز الديني

  • الاستغلال الاقتصادي

  • الاستعلاء الثقافي

نتيجة لذلك، لم يُنظر إلى الدولة الرومانية بوصفها كيانًا سياسيًا يستحق الدفاع عنه، بل باعتبارها سلطة مفروضة من الخارج. هذا الفراغ في الشرعية أتاح للقوة الصاعدة أن تبني تحالفات محلية، مباشرة أو غير مباشرة، سرّعت من انهيار السيطرة الرومانية.


2. الدولة الساسانية: القوة بلا عدالة

مثّلت الإمبراطورية الفارسية نموذجًا متقدمًا إداريًا وعسكريًا، إلا أن بنيتها الاجتماعية كانت شديدة الطبقية، وتعتمد على نظام ضرائبي قاسٍ، ما ولّد حالة اغتراب واسعة بين الدولة والمجتمع.
حين واجهت الدولة الساسانية التحدي العسكري، لم تجد قاعدة اجتماعية مستعدة لتحمّل كلفة الدفاع عنها، فانهارت بسرعة قياسية، ما يؤكد أن الظلم البنيوي يقوّض القدرة على الصمود الاستراتيجي.


ثالثًا: الأندلس وسقوط الدولة قبل سقوط العاصمة

في حالة الأندلس، تُظهر القراءة المتأنية أن الفتح الإسلامي لم يواجه دولة متماسكة، بل كيانًا سياسيًا مأزومًا يعاني من:

  • صراعات داخل النخبة الحاكمة

  • ضعف الاندماج المجتمعي

  • فقدان الثقة بالسلطة

غياب الشعور بالانتماء للدولة القوطية جعل المجتمع غير مستعد للدفاع عنها، ما سهّل عملية الانهيار السياسي حتى قبل الحسم العسكري. هنا يتجلّى بوضوح أن تفكك العقد الاجتماعي يسبق غالبًا الانهيار العسكري.


رابعًا: إسقاطات معاصرة – الدولة الحديثة ليست استثناءً

رغم التطور التكنولوجي والعسكري، لم تتغير القاعدة الأساسية في العصر الحديث.
تُظهر حالات مثل العراق (2003) وأفغانستان (2021) أن:

  • الدولة التي تُدار بمنطق أمني صرف

  • وتُبنى على الخوف بدل الرضا

  • وتُربط شرعيتها بالخارج أكثر من الداخل

تكون عرضة لانهيار سريع عند أول مواجهة حقيقية، بغضّ النظر عن حجم الدعم أو التسليح.


خامسًا: الضغط الخارجي وحدود التدخل

تُدرك القوى الكبرى أن التدخل في دولة ذات تماسك اجتماعي عالٍ يحمل كلفة سياسية وأمنية مرتفعة، بينما يصبح التدخل في دولة منقسمة اجتماعيًا أقل كلفة وأكثر قابلية للنجاح.
لذلك، لا تُفسَّر قدرة بعض القوى الخارجية على فرض نفوذها في دول معينة بكونها “قوية مطلقًا”، بل بكون الدولة المستهدفة تعاني أصلًا من أزمة شرعية داخلية.


خاتمة

تخلص هذه الورقة إلى أن القوة الحقيقية للدولة لا تُقاس فقط بمؤشرات الإنفاق العسكري أو حجم الجيوش، بل بمدى اندماج السلطة بالمجتمع، وعمق العقد الاجتماعي الذي يربط بينهما.
الدولة التي تخسر مجتمعها قد تبدو قوية على السطح، لكنها في الواقع تقف على أرضية هشة، تجعلها عرضة للانهيار السريع عند أول اختبار خارجي أو داخلي.

بعبارة أخرى، القوة التي لا تستند إلى شرعية اجتماعية ليست قوة، بل تأجيل مؤقت للسقوط.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى