جذور حزب العمال الكردستاني: التكوين الأيديولوجي، البنية الاجتماعية، ومسارات النفوذ

تمهيد عام
يُعد حزب العمال الكردستاني من أكثر التنظيمات تعقيدًا في الشرق الأوسط، ليس فقط بسبب مسيرته المسلحة الطويلة، بل بسبب تداخُل العوامل الأيديولوجية والقومية والاجتماعية والطائفية في بنيته التأسيسية وتطوره اللاحق. إن فهم الحزب لا يمكن اختزاله في كونه حركة قومية كردية فحسب، بل يستلزم تفكيك جذوره الفكرية، وتركيبته البشرية، وشبكة علاقاته الإقليمية، والتحولات التي طرأت عليه عبر العقود.
النشأة والخلفية الأيديولوجية
تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 بوصفه تنظيمًا ذا توجه ماركسي–لينيني، يرفع شعارات تحررية ثورية متأثرة باليسار العالمي في سبعينيات القرن الماضي. في مرحلته الأولى، لم يكن الحزب حركة قومية كردية خالصة، بل مشروعًا أيديولوجيًا ثوريًا عابرًا للإثنيات، يعادي الدولة القومية المركزية، ويستهدف البنى التقليدية المحافظة، لا سيما في المجتمع السني.
عبد الله أوجلان، القائد المؤسس والأبرز، وُلد في مدينة أورفا ذات التنوع العرقي والديني، ما أسهم في تشكيل وعيه السياسي المبكر ضمن بيئة مختلطة. ومنذ تأسيس الحزب، لعب أوجلان دور المنظّر والمرجعية الفكرية، قبل اعتقاله عام 1999.
الصراع مع الدولة التركية
خاض الحزب صراعًا مسلحًا طويل الأمد مع الدولة التركية، صُنِّف على إثره تنظيمًا إرهابيًا في تركيا والاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة. وعلى الرغم من إعلان الحزب في عام 2025 حل نفسه وإلقاء السلاح، فإن هذه الخطوة تُعد سياسية رمزية أكثر منها نهاية فعلية لبنية الحركة، نظرًا لتعدد أذرعها التنظيمية والعسكرية والسياسية.
البنية الاجتماعية والطائفية: الدور العلوي
ينقسم الأكراد في تركيا دينيًا إلى سنة وعلويين، ويتركز الأكراد العلويون في مناطق مثل ديرسيم (تونجلي)، مرعش، وأرزينجان. وقد شكّل هؤلاء جزءًا مهمًا من الحاضنة الاجتماعية المبكرة للحزب، ليس بدافع ديني، بل نتيجة شعور مزدوج بالتهميش القومي والطائفي.
جاذبية الحزب لدى بعض العلويين – أكرادًا وأتراكًا – جاءت من خطابه العلماني اليساري المعادي للمركزية التركية، والذي وفّر مظلة سياسية جامعة لمكونات اجتماعية تشترك في العداء للدولة المركزية والنموذج السني المحافظ.
القيادات التأسيسية ودلالاتها
-
القيادة التأسيسية وبنية الحزب الأولى
1. علي حيدر كايطان
يُعد علي حيدر كايطان أحد الأعمدة التأسيسية الأساسية لحزب العمال الكردستاني منذ تشكّل نواته الأولى أواخر سبعينيات القرن الماضي. ينحدر من منطقة ديرسيم (تونجلي)، وهي منطقة ذات خصوصية تاريخية وثقافية، تُعد المعقل الأبرز للأكراد العلويين في تركيا، وقد شكّلت هذه البيئة رافدًا مهمًا في تكوينه الفكري والسياسي.
تشير دراسات متعددة إلى أن كايطان كان علويًا من حيث الانتماء الديني، وكرديًا من حيث الهوية الإثنية، وهو ما انعكس في مساهمته بصياغة رؤية حزب لم يكن في بداياته مشروعًا قوميًّا كرديًّا صرفًا، بل حركة يسارية ثورية ذات طابع أيديولوجي ماركسي.
أهميته التنظيمية:
-
من أقرب الدائرة القيادية لعبد الله أوجلان في مرحلة التأسيس.
-
ساهم في وضع الخط الأيديولوجي الأول للحزب، خصوصًا الدمج بين الماركسية والقضية القومية.
-
شكّل اعتقاله الطويل في السجون التركية عاملًا في تحويله إلى رمز تنظيمي أكثر من كونه فاعلًا ميدانيًا لاحقًا.
2. كمال بير
يُعتبر كمال بير أحد أبرز الشواهد على الطبيعة غير القومية الصافية لحزب العمال الكردستاني في بداياته. فهو تركي إثنيًا، من مدينة غيرسون في منطقة البحر الأسود، ولم يكن كرديًا.
انتمى بير إلى التيار اليساري الماركسي قبل التحاقه بالحزب، وكان يحمل خلفية علمانية جذرية. ومن الناحية الدينية، يُصنَّف غالبًا ضمن البيئات العلوية أو غير السنية، ما وضعه في موقع عداء مباشر مع المجتمع السني المحافظ والدولة المركزية التركية.
دلالته داخل الحزب:
-
أحد المؤسسين الأساسيين.
-
تحوّل إلى رمز أممي داخل أدبيات PKK.
-
عبارته الشهيرة في السجن:
«نحب الحياة إلى درجة الاستعداد للموت من أجلها»
أصبحت جزءًا من الذاكرة الرمزية للحزب. -
يُستخدم حضوره لتأكيد أن الحزب لم يكن ذا أهداف قومية كردية فقط، بل كان يحمل عداءً أيديولوجيًا للتيار المحافظ وللدولة المركزية.
3. حقي قرار
حقي قرار، تركي إثنيًا ومن مدينة أوردو على البحر الأسود، كان أحد اليساريين الماركسيين المؤثرين في الحلقة التأسيسية قبل الإعلان الرسمي عن الحزب. لم يكن كرديًا، وقُتل عام 1977، أي قبل تأسيس PKK رسميًا.
لا توجد أدلة قاطعة على انتمائه الديني، إلا أن انخراطه في اليسار الراديكالي وضعه في موقع خصومة مع البيئة السنية المحافظة.
أثره المفصلي:
-
شكّل مقتله نقطة تحوّل داخل الدائرة التأسيسية.
-
دفع عبد الله أوجلان إلى تسريع إعلان تأسيس الحزب وتحويله من خلايا فكرية إلى تنظيم سياسي–عسكري.
4. ناظم غوك
من الكوادر التأسيسية الأقل شهرة إعلاميًا، لكنه كان جزءًا من النواة التنظيمية المبكرة. ينحدر من مناطق مختلطة إثنيًا ودينيًا، ويُصنَّف في عدة مصادر كعلوي تركي، ما يعكس التنوع الإثني–الديني في مرحلة التأسيس الأولى.
خلاصة القيادة التأسيسية
تُظهر تركيبة القادة الأوائل أن حزب العمال الكردستاني لم ينطلق كمشروع قومي كردي خالص، بل كحركة ماركسية ثورية ضمّت:
-
أكرادًا، كثير منهم من بيئات علوية.
-
أتراكًا يساريين، بعضهم من خلفيات علوية أو غير سنية.
ومع انتقال الحزب إلى صراع قومي مسلح، حدث ما يمكن تسميته بـ «تكردن القيادة»، حيث:
-
تصاعدت الحساسية الإثنية.
-
تراجع حضور الكوادر غير الكردية.
-
فرض الضغط الأمني واقعًا تنظيميًا جديدًا.
بقيت الرموز التاريخية، بينما اختفى الحضور غير الكردي فعليًا.
-
التحول نحو القومية الكردية
مع تصاعد الصراع المسلح، تحوّل الحزب تدريجيًا إلى تنظيم قومي كردي، وتراجعت مشاركة الكوادر غير الكردية نتيجة الحساسية الإثنية، والضغط الأمني داخل تركيا، ما أبقى الحضور التركي–العلوي في إطار رمزي تاريخي أكثر منه تنظيمي فعلي.
القيادة اللاحقة واستمرار الأثر الأيديولوجي
برزت شخصيات مثل جميل بايق، دوران قالقان، وصبري أوك، وجميعهم يتبنون خطابًا علمانيًا راديكاليًا، قريبًا من مدرسة ديرسيم الفكرية، مع حضور ملحوظ لكوادر كردية علوية، بما في ذلك كوادر نسوية، ما يعكس استمرار البعد الاجتماعي–الطائفي في بنية الحزب.
العلاقة مع سوريا ونظام الأسد
حصل الحزب على دعم سوري واضح في الثمانينيات، ضمن سياق الصراع الإقليمي بين دمشق وأنقرة. أقام أوجلان معسكراته في سوريا، ونسج علاقات وثيقة مع شخصيات علوية نافذة، من بينها جميل الأسد ومعراج أورال. ولم يُسلَّم أوجلان إلى تركيا إلا تحت ضغط وتهديد عسكري مباشر.
بعد عام 2011، تشير مؤشرات عديدة إلى دور للنظام السوري في تسهيل نشوء وحدات حماية الشعب، التي تطورت لاحقًا إلى قوات سوريا الديمقراطية. وعلى الرغم من تلقي هذه القوات دعمًا غربيًا، فإنها احتفظت بالمرجعية الفكرية الأوجلانية، وبالرمزية الماركسية، وبخطاب معادٍ للدين والمجتمع السني المحافظ.
قسد والاستمرارية التنظيمية
رغم الخطاب المعلن لقوات سوريا الديمقراطية، تشير الوقائع الميدانية إلى وجود علاقة تنسيقية مستمرة مع النظام السوري السابق. ففي عام 2019، ومع بدء العمليات العسكرية التركية–المعارضة في شمال شرق سوريا، سمحت قسد لقوات النظام بالانتشار في مناطق استراتيجية، أبرزها:
-
عين عيسى
-
تل تمر
وذلك بهدف عرقلة تقدم قوات المعارضة السورية والجيش التركي، في خطوة عكست أولوية العداء المشترك على أي خلاف سياسي معلن.
على مدار ما يقارب عشر سنوات، لم تُسجَّل مواجهة عسكرية مباشرة واحدة بين قسد وقوات النظام، بل جرى تنسيق أمني عبر شخصيات مركزية في النظام، من بينهم علي مملوك.
جميل باييق ودوره الحقيقي
يُعد جميل باييق القائد الفعلي والمحرك الأساسي لحزب العمال الكردستاني منذ اعتقال عبد الله أوجلان عام 1999. فهو ليس مجرد قيادي، بل العقل التنظيمي والسياسي الذي حافظ على استمرارية الحزب.
في تصريحات علنية، أكد باييق أن علاقة الحزب مع حافظ الأسد وعائلته كانت «وثيقة ودافئة»، وأن الحزب لم يقطع علاقته بدمشق قط، بل شجّع استمرار التواصل بين النظام السوري والإدارة الذاتية.
كما أقرّ بأن عددًا كبيرًا من قادة قسد كانوا أعضاء سابقين في PKK، وأن التقارب ليس عرضيًا بل نابع من الخلفية الفكرية والتنظيمية المشتركة.
تأثير فكر PKK على قيادات قسد
تشير المعطيات إلى أن قيادات بارزة في قسد، مثل:
-
مظلوم عبدي
-
إلهام أحمد
-
سيبان حمو
قضوا معظم حياتهم التنظيمية قبل الثورة في جبال قنديل ومعسكرات PKK، وتأثروا بعمق بفكر عبد الله أوجلان، ويرتبطون بعلاقات وثيقة مع جميل باييق.
هذا التأثير انعكس في:
-
الخطاب العلماني المتشدد.
-
العداء البنيوي للمجتمع السني المحافظ.
-
استمرار الرموز الأيديولوجية الماركسية داخل قسد.
حتى بعد سقوط النظام، لجأت شخصيات مثل معراج أورال إلى مناطق سيطرة قسد، واختبأت ضمن حمايتها، ما يعكس استمرار التشابك الأيديولوجي والسياسي.
خلاصة تحليلية
إن ما يجمع الأكراد العلويين، والعرب العلويين، وبعض العلويين الأتراك داخل هذه المنظومة، ليس رابطًا قوميًّا بحتًا، بل تقاطع مصالح أيديولوجي وسياسي قائم على العداء للمجتمع السني المحافظ، والخشية من سيطرته على بنى الحكم في كل من تركيا وسوريا. ومن دون فهم هذا البعد المركب، يستحيل تفسير مسار حزب العمال الكردستاني، أو أذرعه الإقليمية، أو تحالفاته الظرفية والاستراتيجية.



