مقالات الرأي

هجوم مطار نيامي… بين صواريخ داعش وألغام السياسة الإقليمية

يمثل الهجوم الذي استهدف مطار نيامي الدولي حدثاً ذا رمزية عالية ودلالات خطيرة، تتجاوز أضراره المادية المحدودة وفقاً للبيانات الرسمية. اتهام رئيس المجلس العسكري في النيجر، الجنرال عبد الرحمن تياني، لكل من فرنسا وساحل العاج والتوغو بالتخطيط أو التورط، يفتح باباً لتشابكات إقليمية ودولية معقدة تتجاوز الهجوم ذاته، يستدعي النظر إلى الأبعاد المتعددة للمشهد.

البُعد المحلي: اختبار للسلطة وترهيب للمجتمع الدولي

على الصعيد الداخلي، يشكل الهجوم استفزازاً مباشراً واختباراً حاسماً لقدرة السلطة الحاكمة على تأمين أهم المنشآت لا سيما العاصمة نيامي التي يفترض أنها الأكثر تحصيناً، ويهدف هذا العمل إلى زعزعة صورة الاستقرار التي يسعى الجيش لترسيخها منذ الاستيلاء على السلطة. كما أن استهداف رمز للاتصال بالعالم يرسل رسالة ترهيبية واضحة للمجتمع الدولي والمستثمرين، مفادها أن النيجر ليست بمنأى عن الخطر، مما يقوض جهود السلطة في البحث عن شراكات اقتصادية مع شركات أجنبية بديلة للتواجد الغربي التقليدي.

البُعد الإقليمي: تصعيد في حرب الروايات مع الإيكواس

اتهام ساحل العاج والتوغو، وهما من أبرز الداعمين لعقوبات الإيكواس ضد الأنظمة العسكرية في كونفدرالية دول الساحل (مالي، النيجر و بوركينافاسو)، وحتى الخيار العسكري ضد المجلس العسكري في نيامي بعد انقلاب 2023 على الرئيس المنتخب محمد بازوم، يمثل عمق الصراع الجيوسياسي في المنطقة، وتُلمّح تهمة الرئيس الانتقالي في النيحر إلى استخدام ورقة “التطرف” كأداة ضغط في إطار صراع النفوذ، في خطوة تذكير بسياسات “الفوضى الخلاقة”، من جهة أخرى، قد تستهدف السلطات النيجرية من هذا الربط توحيد الرأي العام الداخلي ضد أعداء خارجيين ملموسين، وتحويل الانتباه عن التحديات الداخلية، وتصوير المعارضة الخارجية بمظهر الخيانة والتعاون مع الإرهاب على خطى حليفتيها مالي و بوركينا فاسو.

البُعد الدولي: فرنسا كعدوّ تقليدي في سردية النظام

يمثل اتهام فرنسا الاستمرار الطبيعي للخطاب الرسمي النيجري منذ الانقلاب، الذي يجعل من باريس العدو الاستعماري والمسؤول الخفي عن النكبات.
وهو خطاب يلقى صدى واسعاً في الشارع ويُستخدم لتبرير التحول نحو شركاء جدد مثل روسيا، كما أن ربط فرنسا بتنظيم “داعش” يهدف إلى تقويض شرعيتها الأخلاقية في المنطقة وتصويرها كقوة ماكرة تحارب النظام بأي وسيلة، قد يكون هذا الاتهام أيضاً ورقة ضغط في الملفات العالقة، مثل الوجود العسكري والمصالح الاقتصادية الفرنسية السابقة التي كانت ولاتزال عليها علامات الاستفهام.

وراء الحدث، تتقاطع مصالح عديدة…

لمنفذي الهجوم (تنظيم داعش – فرع الصحراء الكبرى) التي تبت العملية: إثبات البقاء والقدرة على الضرب في العمق، وتأجيج الخلافات الإقليمية، ونفي جدوى الحلول الأمنية الجديدة (كالشراكة مع روسيا عبر الفيلق الأفريقي)، لاسيما اثبات نفوذها في منطقة ليبتاكو قورما التي تعتبر ساحة صراعها مع غريمها التقليدي، تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي المتمثلة في جماعة نصرة الإسلام و المسلمين.

للنظام النيجري: توحيد الجبهة الداخلية ضد عدو خارجي، كأدات كلاسيكية لتحصين السلطة وكسب التأييد الشعبي وتسويق التحالف الروسي كبديل أكثر فاعلية، ورفع سعر طلب الدعم العسكري والاقتصادي من الحلفاء الجدد، في وقت تتطلع فيه الولايات المتحدة إلى مناقشة الخطوات المقبلة لتعزيز التعاون الأمريكي في الساحل والتشاور مع حكومات مالي، بوركينا فاسو والنيجر، بشأن المصالح الأمنية والاقتصادية، ورغبتها في رسم مسار جديد للعلاقات مع كونفدرالية دول الساحل ومعالجة الأخطاء السياسية السابقة عبر زيارات متكررة لمسؤولين أمريكيين مؤخرا لباماكو ونيامي.

للأطراف الخارجية (روسيا): قد يُستخدم الحدث كدليل على “صحة” اختيار النيجر لتحالف جديد و”حاجتها” لمزيد من الدعم العسكري و الأمني لرفع تواجدها عسكريا وبشكل دائم وأكثر ظهورا.

الخلاصة:

الهجوم على مطار نيامي ليس عملاً عسكرياً فحسب، بل هو “حدث سياسي عالي القيمة” في معركة الروايات بالمنطقة، إنه أداة تستخدمها جميع الأطراف كإعلان استمرار للتنظيم المتطرف، وكذريعة لتصعيد الخطاب الوطني للنظام، وكوسيلة لتشويه صورة الخصوم. وفي هذا المشهد المعقد، يصعب الفصل بين حقيقة التورط الخارجي في الهجوم وبين استغلال الحدث سياسياً. الأكيد أن الهجوم يزيد المنطقة اشتعالاً، ويعمق جراح الثقة بين دولها، ويؤجج حرباً إعلامية وسياسية قد تكون عواقبها أكثر خطورة على استقرار المنطقة من الهجوم الإرهابي نفسه، فالمنطقة تدخل مرحلة صعبة من اللعبة الجيوسياسية، حيث يصبح الإرهاب ورقة في أيدي جميع اللاعبين، والضحايا الأساسيون هم دائماً شعوب المنطقة التي تئن تحت وطأة العنف وانعدام الأمن.

 

لنصاري حسين

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى