الدراسات والبحوثتحليلات

قراءة تحليلية في تصريحات حكمت الهجري وعلاقة دروز السويداء بإسرائيل

أولاً: سياق التصريحات ودلالاتها

نقلت صحيفة إسرائيلية تصريحات منسوبة إلى حكمت الهجري، شيخ عقل طائفة الدروز في السويداء، تضمنت مواقف غير مسبوقة في وضوحها وحدّتها، أبرزها اعتبار الدروز في سوريا «جزءاً لا يتجزأ من وجود دولة إسرائيل»، والمطالبة بإقليم درزي مستقل، مع الإشارة إلى أن إسرائيل هي «الضامن الوحيد» لأي ترتيبات مستقبلية.

لا تكمن خطورة هذه التصريحات في مضمونها السياسي فحسب، بل في توقيتها وسقفها، إذ جاءت في مرحلة انتقالية شديدة الحساسية تشهدها سوريا، وترافقت مع خطاب يتبنى رواية كاملة تتقاطع مع السردية الإسرائيلية حول ما يجري في الجنوب السوري، وتُحمّل السلطة في دمشق والجماعات المتحالفة معها مسؤولية ما وُصف بإبادة جماعية بحق الدروز.

ثانياً: تفكيك الخطاب السياسي للتصريحات

يعتمد خطاب الهجري، كما ورد في المقابلة، على عدد من المرتكزات:

  • تصوير الصراع بوصفه صراع وجود وهويات، لا نزاعاً سياسياً قابلاً للحل ضمن إطار الدولة.
  • نزع أي إمكانية للتعايش مع السلطة في دمشق، عبر توصيفها أيديولوجياً بأنها امتداد لتنظيم القاعدة.
  • إضفاء شرعية كاملة على التدخل الإسرائيلي، وتقديمه باعتباره التدخل الوحيد «الأخلاقي» و«المنقذ».
  • الانتقال من مطلب الحماية إلى مطلب الاستقلال الكامل، مع طرح الحكم الذاتي كمرحلة انتقالية.

هذا الخطاب يتجاوز حدود المطالبة بالحقوق أو الحماية، لينتقل إلى تبنّي مشروع سياسي انفصالي، يقوم على الارتباط العلني بقوة خارجية معادية تاريخياً لسوريا.

ثالثاً: هل العلاقة طارئة أم ممتدة؟

تفند التقارير الصحفية، بما فيها تقارير أمريكية وإسرائيلية سابقة، الادعاء القائل إن التقارب بين بعض القيادات الدرزية وإسرائيل جاء كرد فعل آني على وصول سلطة جديدة إلى دمشق أو على أحداث يوليو 2025.

تشير هذه التقارير إلى:

  • وجود قنوات تواصل سياسية وأمنية تعود إلى ما بعد عام 2018.
  • تسريبات عن علاقات بين إسرائيل وحزب “اللواء” درزي تشكّل في السويداء، نُشرت تفاصيلها منذ عام 2019.
  • وثائق تحدثت عن تلقي مجموعات درزية أسلحة وذخائر منذ الأيام الأولى لسقوط النظام السابق، وقبل تبلور طبيعة السلطة الجديدة أو سياساتها.

وعليه، فإن ما كُشف عنه في هذه التصريحات لا يمثل قطيعة مفاجئة، بل إعلاناً صريحاً عن مسار كان قائماً بصورة غير معلنة.

رابعاً: الرهان على الخارج ومخاطره

ينطوي الرهان العلني على إسرائيل بوصفها ضامناً وحيداً لمستقبل الدروز في سوريا على مخاطر استراتيجية بالغة:

  • تاريخياً، أظهرت التجارب أن إسرائيل تتعامل مع القوى المحلية بوصفها أدوات مرحلية، كما حدث مع جيش لحد في جنوب لبنان.
  • الدعم الخارجي، مهما بلغ حجمه، يبقى مشروطاً بالمصلحة، وقابلاً للتخلي عنه عند تغيّر التوازنات.
  • وضع مصير مكوّن اجتماعي كامل في «سلة واحدة» يعمّق عزلته عن محيطه الوطني، ويحوّله إلى طرف في صراع إقليمي يتجاوز قدرته على التحمل.

خامساً: تقاطعات مع قوى أخرى

تُظهر المعطيات وجود محاولات تنسيق بين بعض القيادات الدرزية وقوات سوريا الديمقراطية، إضافة إلى قنوات تواصل مع شخصيات علوية، في إطار سعي أوسع لتشكيل اصطفافات قائمة على أسس طائفية وعرقية.

غير أن مشاريع التقسيم أو الأقاليم الطائفية، سواء بصيغتها الانفصالية أو الفيدرالية الموسعة، تصطدم بوقائع سياسية وديموغرافية تجعل تحقيقها أمراً بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً.

سادساً: البديل الممكن

كان من الممكن، بدلاً من الاندفاع المبكر نحو محاور خارجية، السعي إلى:

  • انتزاع ضمانات دستورية وقانونية للمشاركة في السلطة.
  • الانخراط في مسار تفاوضي داخلي يكرّس حقوق المواطنة المتساوية.
  • تحييد الطائفة عن مشاريع الصراع الإقليمي.

غير أن الخيار الذي اتُّخذ عملياً هو المواجهة منذ اليوم الأول، وربط المصير بقوى خارجية، ما يضع الطائفة أمام مخاطر مستقبلية جسيمة.

سابعاً: استحقاق دمشق

في المقابل، تواجه السلطة في دمشق استحقاقاً تاريخياً يتمثل في:

  • دمج المكوّنات السورية كافة، من دروز وعلويين وأكراد، ضمن إطار وطني جامع.
  • ضمان الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية، ومنع تكرار سياسات الإقصاء.
  • التعامل بحزم مع المشاريع الانفصالية، مع التمييز بين المطالب المشروعة والرهانات الخارجية.

خاتمة

تكشف تصريحات حكمت الهجري، كما وردت في التقرير الصحفي الإسرائيلي، عن انتقال بعض القيادات الدرزية من موقع القلق والخوف إلى موقع الرهان الكامل على الخارج، وبصورة خاصة على إسرائيل.

غير أن التجارب التاريخية تؤكد أن من يراهن على الخارج لا يكسب على المدى البعيد، وأن القوى الخارجية، مهما بدت داعمة، سرعان ما تتخلى عن حلفائها المحليين عند تبدّل المصالح. ويبقى التحدي الحقيقي أمام سوريا هو بناء عقد وطني جديد، يعالج جذور الخوف والتهميش، ويمنع دفع المكوّنات الاجتماعية إلى خيارات قصوى قد تفضي إلى كوارث جديدة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى